مقال
وجِّه الذكاء الاصطناعي، ولا تكتفِ باستعماله
ماذا يحدث حين توجّه الذكاء الاصطناعي بدل أن تستعمله؟ كيف صار عملٌ شخصي مؤسسةً قائمة في ثمانية أيام، وإنسانٌ يقود كل قرار.
أ.د. محمد فوزى الجندى٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦٥ دقائق قراءة

منذ نحو سنتين وأنا أكتب وأنشر باسم «فوزووز»: منشوراتٍ ومقالاتٍ وكتبًا عن الذكاء الاصطناعي والأمن المعرفي والحوكمة. كان مشروعًا شخصيًا، بصوتي أنا، ولم تكن وراءه أي جهة رسمية.
ثم وضعتُ أمام نفسي تحديًا: إلى أي حدٍّ يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحوّل هذا العمل الشخصي إلى مؤسسةٍ كاملة تعمل فعلًا، إذا بقي الإنسان صاحب القرار في كل خطوة؟
أقود الذكاء الاصطناعي وأمن المعلومات في ISD بدبي، وأدين بالكثير للثقافة التي أعمل فيها كل يوم هناك، ثقافةٍ لا تتوقف عن تطبيق أحدث الأساليب ودفع التقنية إلى أقصى حدودها. هذه الروح هي التي جعلتني أمضي في التحدي إلى آخره، تجربةً شخصية أُثبت بها الفكرة، خارج ساعات العمل.
الطريقة: التوجيه بوصف الفكرة
أصف في ورقتي البيضاء أربع حقبٍ للبناء بالذكاء الاصطناعي: الإكمال التلقائي، ثم البرمجة بوصف الفكرة، ثم الهندسة بوصف الفكرة، وأخيرًا التوجيه بوصف الفكرة (Vibe Orchestration). في الحقبة الرابعة يتوقف الإنسان عن كتابة العمل بيده، ويبدأ في توجيهه.

أكتب أنا النيّة: ماذا أريد، ولمن، وبأي روح. ثم يتولى فريقٌ من وكلاء الذكاء الاصطناعي العمل. واحدٌ يبني، وواحدٌ يختبر، وواحدٌ يراجع الأمن والمنطق، وواحدٌ يجهّز المحتوى. ولا يصل شيءٌ إلى أحد قبل أن أوافق عليه.

ماذا فعلت الأوركسترا
- الأوراق والتسجيل: جهّزت نماذج الطلبات وملأتها، وأعدّت المعاملات وأتمتتها، وساعدتني في تسجيل «فوزووز» شركةً، وفي إدراجها في السجل البريطاني لمقدّمي التعلّم (UKRLP)، وفي استخراج أرقام ردمك (ISBN) لـ٢٢ نسخة.
- برنامج تدريبي كامل: ساعدتني في بناء «سفير الذكاء الاصطناعي الحكيم»، برنامجٍ فيه ست درجات و٣٤ وحدة، وتمارين، وبوابات بنماذج محلولة، ومنهج، ودروس مصوّرة، وتطبيق للدراسة، ونظام شهادات تحمل كل شهادةٍ فيه رقمها الخاص.
- الكتب بثوبٍ جديد: راجعتُ كتبي السابقة، وحدّثتها بآخر التطورات، وأعطيتها أغلفةً جديدة وتصميمًا واحدًا متّسقًا، ونشرتها في طبعات جديدة، كلّها بالعربية والإنجليزية.
- الكتابة والترجمة: صارت منشورات سنتين ومقالاتها أوراقًا ودروسًا ومجلة قصص، باللغتين.
- التصميم: الهوية، والشهادة، وبطاقة العضوية، وكل عرضٍ وكل منشور.
- الهندسة: موقعٌ فيه أكثر من ٢٬٦٠٠ صفحة بلغتين، وستة تطبيقات، ووصلةٌ تتيح لمساعدي الذكاء الاصطناعي أن يجيبوا من محتوى «فوزووز» نفسه.

بدأ العمل في ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦. لو أنجزناه بالطريقة المعتادة، أقدّر أنه كان سيحتاج فريقًا من عشرة أشخاص نحو ستة أشهر، أي قرابة ٧٬٨٠٠ ساعة. استغرق ٨ أيام، بـ١٦١ تعديلًا راجعتها ووافقت عليها واحدًا واحدًا.

وهذا هو الدرس الحقيقي: الذكاء الاصطناعي لم يحلّ محلّ الحكمة والتقدير. حلّ محلّ الانتظار.
لماذا لا يتعارض مع عملي
النزاهة تهمّني بقدر ما تهمّني الفكرة، فرتّبتُ الأمر بعناية:
- هي كيانٌ قانونيٌ مستقل: مؤسسة غير ربحية، سجّلتها في إنجلترا وويلز في أكتوبر ٢٠٢٦.
- ليست مشروعًا تجاريًا، ولا تنافس جهة عملي. معرفتها مفتوحة للجميع.
- وكلاء الذكاء الاصطناعي يقومون بالعمل اليومي، فلا تأخذ من وقتي ولا من جهدي في عملي. أنا أحدد الاتجاه، وأوافق على ما يُنشر.
ماذا تعطي لعملي
صارت هذه التجربة مختبري الحيّ للأسئلة التي أتعامل معها كل يوم بصفتي رئيسًا للذكاء الاصطناعي ورئيسًا لأمن المعلومات: كيف تعطي وكلاء الذكاء الاصطناعي قدرةً حقيقية من غير أن تسلّمهم المفاتيح؟ جرّبتُ في الواقع ما كنت أناقشه نظريًا: وكلاء يعملون في بيئةٍ معزولة، ويأخذ كلٌّ منهم من السياق ما تحتاجه مهمته فقط، وكل تعديلٍ يمرّ على اختباراتٍ آلية ثم على قرار إنسان. وأحمل اليوم هذه الخبرة العملية إلى عملي في حوكمة الذكاء الاصطناعي وأمنه، وأرى بوضوحٍ أكبر ما الذي ينجح، وما الذي ينكسر، وأين يجب أن يبقى الإنسان.
إلى كل من ما زال متردّدًا
أفهم هذا التردّد. قضيتُ مسيرتي في الأمن، والحذر جزءٌ من عملي. لكنني تعلّمتُ أن الخطر الحقيقي ليس في استعمال الذكاء الاصطناعي، بل في أن تستعمله وأنت لا تعرف كيف تقوده، أو أن تتركه لغيرك وتكتفي بالمشاهدة. فهذه نصيحتي:
- ابدأ بمهمةٍ حقيقية واحدة. لا تبدأ بمشروعٍ كبير. اختر شيئًا يأخذ منك ساعاتٍ كل أسبوع، وأعطه للذكاء الاصطناعي، وراجع النتيجة بنفسك.
- اجعل القرار في يدك. دعه يكتب المسودّة، ويبني، ويقترح، لكن لا تنشر ولا ترسل شيئًا لم تقرأه وتوافق عليه.
- أعطه ما يحتاجه فقط. لا تسلّمه بياناتٍ حساسة ولا كلمات مرور. أعطِ كل مهمةٍ أقل ما تحتاجه من السياق، ولا شيء أكثر.
- تعامل مع ما يقدّمه على أنه مسودّة أولى، لا جواب نهائي. تحقّق من المعلومات، واختبر العمل، واسأل نفسك: هل أضع اسمي على هذا؟
- تعلّم بالتجربة، لا بالقراءة عنها. ساعةٌ من التجربة الحقيقية تعلّمك أكثر من شهرٍ من المقالات.

لن تكون الفجوة بين من يملك الذكاء الاصطناعي ومن لا يملكه، بل بين من يقوده ومن يقوده هو.
واليوم أضع الحصاد بين يديك، مفتوحًا للجميع:
- الكتب والأوراق في الأمن المعرفي وحوكمة الذكاء الاصطناعي،
- ومجلة القصص «فوزووزيات»،
- و«متون»، بطاقات الحكمة التطبيقية،
- و«سفير الذكاء الاصطناعي الحكيم»، برنامج قيادة من ست درجات يجهّزك لتقود فرقًا نصفها بشر ونصفها برمجيات.
🎁 احتفالًا بالانطلاق الرسمي: منحة السفير الحكيم
قراءة البرنامج والتدرّب عليه مفتوحان للجميع. أما الشهادة فشيءٌ آخر: تراجع «فوزووز» عمل بواباتك الست، ثم تُصدر لك الشهادة باسمك وبرقمها الخاص، ومعها بطاقة عضوية شرفية. قيمتها ٧٥٠ جنيهًا إسترلينيًا، وهذا ما تدفعه المؤسسات عن كل فردٍ في فرقها.
ومع الانطلاق، تتكفّل «فوزووز» بالشهادة وبطاقة العضوية كاملتين لـ١٠٠ متقدّم نقبلهم في المنحة.

ساعد الذكاء الاصطناعي في بناء هذه المؤسسة لتتعلّم أنت كيف تقوده، لا أن تتركه يقودك.
قدّم على المنحة: fawzooz.org/ar/wise-ai/scholarship
القصة الكاملة للأيام الثمانية: fawzooz.org/ar/publications/itlaq-fawzooz



